ابن حجة الحموي
196
خزانة الأدب وغاية الأرب
ومن الغايات في باب الانسجام قول الوأواء الدمشقي بالله ربكما عوجا على سكني * وعاتباه لعل العتب يعطفه وحدثاه وقولا في حديثكما * ما بال عبدك بالهجران تتلفه فإن تبسم قولا في ملاطفة * ما ضر لو بوصال منك تسعفه وإن بدا لكما في وجهه غضب * فغالطاه وقولا ليس نعرفه ومثله في اللطف ورقة الانسجام قول الأرجاني حيتك غادية الهوى من مربع * رجعت عهودي فيك أم لم ترجع ما أسأروا في كأس دمعي فضلة * عنهم فأجعلها نصيب المربع لم يبكني إلا حديث فراقهم * لما أسر به إلي مودعي هو ذلك الدر الذي ألقيتم * في مسمعي ألقيته من أدمعي ومثله قوله عوجا عليها أيها الركب * لا عار أن يتساعد الصحب قد كان لي قلب ولا ألم * واليوم لي ألم ولا قلب ومثله قوله أما الفؤاد فإنهم ذهبوا به * يوم النوى فبقيت صفر الأضلع فكأننا لما عقدنا للنوى * حلفا بغير رهائن لم يقنع فرهينتي معهم فؤادي دائما * والطيف من سلمى رهينتهم معي ومثله في اللطف قول الطغرائي خبروها أني مرضت فقالت * أضنى طارفا شكا أم تليدا وأشاروا بأن تعود وسادي * فأبت وهي تشتهي أن تعودا وأتتني في خفية وهي تشكو * ألم البعد والمزار البعيدا ورأتني كذا فلم تتمالك * أن أمالت علي عطفا وجيدا وألطف منه بل من النسيم قوله بالله يا ريح إن مكنت ثانية * من صدغه فأقيمي فيه واستتري وراقبي غفلة منه لتنتهزي * لي فرصة وتعودي منه بالظفر وباكري ورد عذب من مقبله * مقابل الطعم بين الطيب والخصر ولا تمسي عذاريه فتفتضحي * بنفحة المسك بين الورد والصدر وأن قدرت على تشويش طرته * فشوشيها ولا تبقي ولا تذري ثم اسلكي بين برديه على مهل * واستبضعي وانثني منه على قدر ونبهيني دون القوم وانتفضي * علي والليل في شك من السحر لعل نفحة طيب منك نائبة * تقضي لبانة قلب عاقر الوطر وممن برع في الطريق الغرامية وأينع زهر نظمه في حدائق الانسجام بها الشيخ تقي الدين السروجي رحمه الله تعالى قال الشيخ أثير الدين أبو حيان رحمه الله كان الشيخ تقي الدين مع زهده وعفته مغرما بحب الجمال وكان يغني بشعره الغرامي في عصره لرقة انسجامه وعذوبة ألفاظه وقال الشهاب محمود كان الشيخ تفي الدين يكره مكانا يكون فيه امرأة ومن دعاه من أصحابه قال شرطي معروف وهو أن لا يحضر في المجلس امرأة وكنا يوما في دعوة فأحضر صاحب الدعوة شواء وأمر بإدخاله إلى النساء يقطعنه ويجعلنه في الصحون فلما حضر بعد ذلك تقرف منه وقال كيف يؤكل وقد لمسنه بأيديهن وذكر أبو حيان أنه لما توفي بالقاهرة رابع رمضان المعظم سنة ثلاث وتسعين وستمائة قال أبو محبوبه والله ما أدفنه إلا في قبر ولدي فإنه كان يهواه في الحياة وما أفرق بينهما في الممات هذا لما كان يعهده من دينه وعفافه فمن انسجاماته الغرامية